فخر الدين الرازي
17
تفسير الرازي
تعالى قال ( وأن سعيه سوف يرى ثم يرزق الرؤية ، وهذا الوجه يليق بتفسير اللفظ فإن الأوفى مطلق غير مبين فلم يقل : أوفى من كذا ، فينبغي أن يكون أوفى من كل واف ولا يتصف به غير رؤية الله تعالى . المسألة الرابعة : في بيان لطائف في الآيات الأولى : قال في حق المسئ : * ( ألاَّ تزر وازرة وزر أخرى ) * وهو لا يدل إلا على عدم الحمل عن الوازرة وهذا لا يلزم منه بقاء الوزر عليها من ضرورة اللفظ ، لجواز أن يسقط عنها ويمحو الله ذلك الوزر فلا يبقى عليها ولا يتحمل عنها غيرها ولو قال : لا تزر وازرة إلا وزر نفسها كان من ضرورة الاستثناء أنها تزر ، وقال في حق المحسن : ليس للإنسان إلا ما سعى ، ولم يقل : ليس له ما لم يسع لأن العبارة الثانية ليس فيها أن له ما سعى ، وفي العبارة الأولى أن له ما سعى ، نظراً إلى الاستثناء ، وقال : في حق المسئ بعبارة لا تقطع رجاءه ، وفي حق المحسن بعبارة تقطع خوفه ، كل ذلك إشارة إلى سبق الرحمة الغضب ثم قال تعالى : * ( وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى ) * . القراءة المشهورة فتح الهمزة على العطف على ما ، يعني أن هذا أيضاً في الصحف وهو الحق ، وقرئ بالكسر على الاستئناف ، وفيه مسائل : الأولى : ما المراد من الآية ؟ قلنا فيه وجهان : أحدهما : وهو المشهور بيان المعاد أي للناس بين يدي الله وقوف ، وعلى هذا فهو يتصل بما تقدم لأنه تعالى لما قال : * ( ثم يجزاه ) * كأن قائلاً قال لا ترى الجزاء ، ومتى يكون ، فقال : إن المرجع إلى الله ، وعند ذلك يجازى الشكور ويجزي الكفور وثانيهما : المراد التوحيد ، وقد فسر الحكماء أكثر الآيات التي فيها الانتهاء والرجوع بما سنذكره غير أن في بعضها تفسيرهم غير ظاهر ، وفي هذا الموضع ظاهر ، فنقول : هو بيان وجود الله تعالى ووحدانيته ، وذلك لأنك إذا نظرت إلى الموجودات الممكنة لا تجد لها بداً من موجد ، ثم إن موجدها ربما يظن أنه ممكن آخر كالحرارة التي تكون على وجه يظن أنها من إشراق الشمس أو من النار فيقال الشمس والنار ممكنتان فمم وجودهما ؟ فإن استندتا إلى ممكن آخر لم يجد العقل بداً من الانتهاء إلى غير ممكن فهو واجب الوجود فإليه ينتهي الأمر فالرب هو المنتهى ، وهذا في هذا الموضع ظاهر معقول موافق للمنقول ، فإن المروي عن أبي بن كعب أنه قال عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " وأن إلى ربك المنتهى ، لا فكرة في الرب " أي انتهى الأمر إلى واجب الوجود ، وهو الذي لا يكون وجوده بموجد ومنه كل وجود ، وقال أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا ذكر الرب فانتهوا " وهو محتمل لما ذكرنا ، وأما بعض الناس فيبالغ ويفسر كل آية فيها الرجعي والمنتهى وغيرهما بهذا التفسير حتى قيل : * ( إليه يصعد الكلم الطيب ) * ( فاطر : 10 ) بهذا المعنى وهذا دليل الوجود ، وأما دليل الوحدانية فمن حيث إن العقل انتهى إلى واجب الوجود من حيث إنه واجب الوجود ، لأنه لو لم يكن واجب